سيد محمد طنطاوي
226
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى : ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين : من الذي خلق هذه السماوات التي ترونها بأعينكم ، وخلق هذه الأرض التي فوقها تعيشون . . . لئن سألتهم هذا السؤال ، لا يملكون في الإجابة عليه إلا أن يقولوا : خلقهم اللَّه ، فلفظ اللَّه فاعل لفعل محذوف . وقولهم هذا دليل واضح على تناقضهم مع أنفسهم . لأنهم يعترفون بأن الخالق هو اللَّه ، ولكنهم يشركون معه في العبادة آلهة أخرى لا تنفع ولا تضر . . ولذا أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يقول لهم مبكتا وموبخا : * ( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ، إِنْ أَرادَنِيَ اللَّه بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّه . أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِه ) * ؟ . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين : إذا كان الأمر كما ذكرتم من أن الخالق لهذا الكون هو اللَّه ، فأخبروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه - سبحانه - : أتستطيع أن تدفع ضرا أراده اللَّه - تعالى - بي ؟ أم تستطيع أن تمنع رحمة أو خيرا أعطاه اللَّه لي ؟ كلا إنها لا تستطيع شيئا من ذلك ، وعبادتكم لها إنما هي نوع من السفه والحماقة . وقال - سبحانه - : * ( هَلْ هُنَّ . . ) * بالتأنيث على سبيل التحقير لتلك الآلهة المزعومة ، ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث ، كاللات ، والعزى ، ومناة . إلخ . وقدم الضر لأن دفعه أهم ، وعلق - سبحانه - إرادة الضر والرحمة بذاته صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( إِنْ أَرادَنِيَ اللَّه بِضُرٍّ . . . ) * ليرد عليهم ردا يخرس ألسنتهم ، حيث خوفوه صلَّى اللَّه عليه وسلم منها وزعموا أنه لو استمر في تحقيرها فإنها ستؤذيه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم فرض المسألة في نفسه دونهم ؟ قلت : لأنهم خوفوه مضرة الأوثان وتخبيلها ، فأمر بأن يقررهم - أولا - بأن خالق العالم هو اللَّه وحده ، ثم يقول لهم بعد التقرير : فإذا أرادني خالق العالم الذي أقررتم به بضر من مرض أو فقر أو غير ذلك من النوازل ، أو برحمة من صحة أو غنى أو نحوهما . هل هؤلاء اللائي خوفتمونى إياهن كاشفات عنى ضره ، أو ممسكات رحمته ، حتى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم ، حتى لا يحيروا ببنت شفة قال : * ( حَسْبِيَ اللَّه ) * كافيا لمضرة أوثانكم * ( عَلَيْه يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * وفيه تهكم .